-
27يناير2026

حالة العزلة وعجز الخيال

المشكلة إذن ليست في فشل التجارب، بل في التوقف عن التجريب، وفي إعلان نهاية الخيال قبل نهاية التاريخ.

سعيد باحشوان

أحد منتجات مُثلث

عمل فني بواسطة : فريق مُثلث

حالة العزلة وعجز الخيال

المشكلة إذن ليست في فشل التجارب، بل في التوقف عن التجريب، وفي إعلان نهاية الخيال قبل نهاية التاريخ.

سعيد باحشوان

أحد منتجات مُثلث

عمل فني بواسطة : فريق مُثلث

في خلاصة أطروحات المفكر السياسي الأمريكي فرانسيس فوكوياما كما وردت في كتابه «نهاية التاريخ»، يبدو أننا نعيش زمناً يمكن تشبيهه بـ«شتاء طويل»؛ زمن من الجمود، حيث يتحول الإحساس بالحركة إلى دوران داخل دائرة مغلقة توحي بالنهاية. فمع انهيار نماذج التحرر الكبرى—كالإتحاد السوفيتي—وتعثر النماذج الدينية الأصغر،

بدا وكأن البشرية أخفقت في تقديم بديل حقيقي للرأسمالية، بكل ما تحمله من أزمات وكوارث وجودية. وهكذا، يتكرر المشهد ذاته، وكأن التاريخ عالق في حلقة لا يستطيع أحد كسرها.

هذا الجمود يمكن فهمه من خلال ما يسميه عالم الاجتماع الأمريكي روبرت ميرتون بـ«النبوة ذاتية التحقق»: حين يتحول التوقع إلى سلوك، والسلوك إلى نتيجة. كحال الطالب الذي يسيطر عليه قلق مرضي من الامتحان، فيقتنع مسبقاً بأنه سيفشل، ومن ثم يتخلى عن المذاكرة، وحين يُسأل عن السبب يجيب: «مهما ذاكرت لن أنجح». في هذه الحالة، لا يكون الامتحان هو سبب الفشل، بل القناعة ذاتها.

ربما نحن أشبه بهذا الطالب. اقتنعنا أن العالم يستحيل أن يتغير، إلى درجة أننا نستطيع تخيّل نهاية العالم، بينما يعجز خيالنا عن تخيّل نهاية الرأسمالية. وهو ما يعبّر عنه الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك بسخرية لاذعة: أصبح انهيار الكوكب أسهل على الخيال من انهيار النظام الاقتصادي السائد.

أزمة البديل في العالم العربي

يتجلّى هذا المنطق بوضوح في الحالة العربية، حيث تَرافَق الجمود في مشاريع التحرر مع عجزٍ مزمن عن إنتاج نماذج سياسية واقتصادية أصيلة، قادرة على تقديم مشاريع سيادية حقيقية للمنطقة والعالم العربي. لم يكن الفشل هنا محصوراً في غياب الإرادة، بقدر ما كان نتيجة انسداد الخيال السياسي ذاته، وكأن البدائل الممكنة قد استُنفدت سلفاً.

لقد تحوّل الاقتناع بقابلية الارتهان—سواء للغرب أو للشرق—من مجرّد خيار تكتيكي إلى قناعة راسخة، ثم إلى سلوك يومي، فإلى نتيجة تاريخية ملموسة. ووفق منطق «النبوة ذاتية التحقق»، لم يعد الارتهان استجابةً لضعف موضوعي، بل أصبح هو ما يُنتج هذا الضعف ويعيد إنتاجه باستمرار. هكذا أفرز الواقع العربي شعوباً مُكَبَّلة، مقيَّدة، لا تفتقر إلى الإمكانات بقدر ما تفتقر إلى الوعي بقوتها الذاتية، وبما تختزنه من تاريخ عميق، وموقع جغرافي بالغ التأثير، وموارد قادرة—لو أُعيد تخيّلها—على صياغة مسار مختلف.

إن أخطر ما في هذا الجمود ليس القمع السياسي وحده، ولا التبعية الاقتصادية فحسب، بل تطبيع العجز بوصفه قدَراً. حين يصبح استيراد النماذج بديلاً عن ابتكارها، والتكيّف مع الأزمات بديلاً عن تفكيكها، يتحوّل المستقبل إلى نسخة باهتة من الماضي. في هذه اللحظة، لا تعود المشكلة في غياب الحلول، بل في غياب الجرأة على تخيّلها.

الخروج من هذه الدائرة لا يبدأ بانقلاب مفاجئ ولا بوصفة جاهزة، بل بتحرير الخيال أولاً. فكل مشروع تحرري يبدأ كسؤال، وكل سيادة تبدأ كفكرة غير مقبولة في زمنها. كسر حالة العزلة الذهنية هو الخطوة الأولى لكسر العزلة السياسية والاقتصادية، وإعادة الاعتبار لإمكانية أن يكون للعالم العربي دورٌ فاعل، لا تابع، وشريكٌ في صناعة التاريخ، لا مجرد متلقٍ لنتائجه.

الخيال كـ تجربة للبديل

كما يلمّح جورج آر. آر. مارتن، فإن التجربة—حتى في فشلها—ليست نقيض الأمل، بل جوهره. الفشل ليس محطة نهائية، بل شرطاً أولياً لأي إنجاز، سواء على مستوى الفرد أو المجتمع. وهذا الفهم لا ينتمي إلى خطاب «التنمية البشرية» السطحي، بل إلى منطق أقرب للعلم: تجربة واحدة ناجحة كفيلة بأن تُعيد تأويل كل التجارب الفاشلة التي سبقتها، وتجعلنا ندرك لاحقاً أن الفشل لم يكن عبثاً، بل ضرورة للوصول إلى مستوى أعلى من النضج.

في عالم مارتن، كما في الواقع، الخيال هو مختبر التجربة الأولى. لم يكن ممكناً قبل مئتي عام أن يتخيّل الإنسان أنه سيطير، ومع ذلك لم يتحول عباس بن فرناس إلى مادة للسخرية في الذاكرة الإنسانية، رغم تهوره وحدود معرفته في زمنه. وكذا الحال مع أوائل من نادوا بإلغاء العبودية؛ لم يُختزلوا في كونهم حالمين رومانسيين، رغم أن كثيراً من معاصريهم سخروا من أفكار بدت آنذاك مستحيلة. السخرية ذاتها التي واجهها سام تارلي حين قال للوردات: «ربما الأفضل أن نترك اختيار ما هو الأفضل للجميع… بيد الجميع». فكرة ضُحك عليها، لكنها حملت في جوهرها بذرة نظام مختلف.

المشكلة إذن ليست في فشل التجارب، بل في التوقف عن التجريب، وفي إعلان نهاية الخيال قبل نهاية التاريخ. فكل بديل حقيقي يبدأ بوصفه شذوذاً، وكل فكرة تحررية وُصفت يوماً بأنها غير واقعية.

من هنا، يصبح الخيال هو المخرج الوحيد من وهم «نهاية التاريخ». فالتاريخ لا ينتهي حين تفشل المشاريع، بل حين نتوقف عن تخيّل بدائل لها. والتجربة ليست تكراراً أعمى، بل بحثٌ مستمر، تُلغى فيه التجارب الفاشلة لا بالإنكار، بل بتجاوزها. وهذا المعنى يتقاطع بعمق مع ما أشار إليه النبي محمد ﷺ حين قال: «يأتي على رأس كل مئة سنة من يجدد لهذه الأمة دينها»؛ فالتجديد هنا ليس قطيعة مع الأصل، بل إعادة اكتشافه بوعي جديد، وبخيال قادر على الاستجابة لزمنه. إنه اعتراف بأن الجمود نقيض الحياة، وأن الاستمرار مشروط بالقدرة على التخيل، ثم الجرأة على المحاولة.

في النهاية، لعل أفضل تأويل هو أن نترك باب التأويل مفتوحاً للجميع، والأهم من ذلك أن نبقى نتخيّل.


عزيزي الإنسان… لا تتوقف عن الخيال

اقتباس مؤجز

من هنا، يصبح الخيال هو المخرج الوحيد من وهم «نهاية التاريخ». فالتاريخ لا ينتهي حين تفشل المشاريع، بل حين نتوقف عن تخيّل بدائل لها.

فريق مُثلَث

اقتباس مؤجز

من هنا، يصبح الخيال هو المخرج الوحيد من وهم «نهاية التاريخ». فالتاريخ لا ينتهي حين تفشل المشاريع، بل حين نتوقف عن تخيّل بدائل لها.

مكتب مُثلَث

إشَارَات وإطلاعات

مصادر

المزيد من المقالات

أستطيع أن أعدد الـ"لا أريدات" حتى الصباح، لكن ما الفائدة من كلّ هذه الكلمات؟

نشرة بُكرة من مُثلث

هناك قضايا تجد أنها لم تنتشر بما يكفي وترى بأنها تستحق مزيد من الاهتمام

نشرة موجة في مُثلث

نميل إلى التركيز على الخسائر التي سنتكبدها نتيجة تخلينا عن ما نملكه

نشرة موجة من مُثلث

يبقينك الإحساس بعدم الأمان والقلق المستمر واقفًا على أطراف أصابعك

نشرة بكرة من مُثلث

نقوم بإعداد المزيد من الإثراء

الجميل في هذه الرسالة كمية الواقعية والعمق والمرونة والتفهم لطبيعة الأشخاص والنفس البشرية.

نشرة بكرة من مُثلث

البجاحة درجات، ونيتفلكس ارتقت لأعلاها. تتفاخر بأنها تعمل على تطوير أفكار لخطف ما يستطيعون من أوقات فراغك،

نشرة بُكرة من مُثلث

قد تكون مترابطة أو غير مترابطة.. ولكنه الشعور بالعمر جعلني أوجز هذه السطور بكل عجل

نشرة موجة من مُثلث

ماذا نحتاج من الوقت حتى تتوقف تحديثات الأجهزة وكي نعمل بسلام ولا تزعجني بمتطلباتها

نشرة موجة من مُثلث

نقوم بإعداد المزيد من الإثراء