ليس كل ما على هذه الأرض سيئًا كما صُوِّر لنا، لكن كيف تشكّل هذا الوعي المثقل بالسلبية في غياب الواقعية المحفّزة؟
كيف تحوّلت الحكاية من أرضٍ ممكنة إلى صورةٍ مشوّهة تُختزل في العجز والانكسار؟ لعل الإشكال لم يكن في الوطن ذاته، بل في الرواية التي تكررت حتى صارت يقينًا هشًّا، يجرّد الإنسان من ثقته قبل أن يجرّده من حقّه.
لا يوجد في هذا الوطن ما يستحق أن تُنزع عنه كرامة الإنسان، ولا يمكن اختزاله في سرديات الألم وحدها دون النظر إلى ما تبقّى فيه من قدرةٍ على النهوض. إن رحلة العودة بعد قرابة عقدٍ من الزمن لم تكن مجرد انتقال جغرافي، بل مواجهة مباشرة مع الفجوة بين ما يُقال وما يُعاش، بين صورةٍ سُمعت طويلًا وواقعٍ يُصرّ على أن يكون مختلفًا.
قرابة عقدٍ من الزمن، امتلأت فيه الذاكرة بحكايات السوء:قصص انتزاع الحقوق، وصور واقعٍ بلا أفق، وأحاديث تُعيد الوطن إلى نقطة الصفر كل يوم.
فريق مُثلث
خلال عقدٍ كامل، تكدّست الحكايات عن وطنٍ تُنتزع فيه الحقوق، وعن مستقبلٍ مؤجّلٍ إلى أجلٍ غير مسمّى، حتى بدا وكأن الزمن قد توقّف عند تفاصيل الألم. قرابة عقدٍ من الزمن، عقدٌ كامل امتلأ بسيلٍ من الأخبار القاتمة، والسرديات التي تُحمّل الوطن كل أوجاعه، وتُصوّره كمساحة من العجز المطلق. خلال تلك السنوات، لم يكن الحديث يدور فقط عن أزمات، بل عن غيابٍ كامل للمستقبل، وكأن الزمن توقف عند حدٍ لا يمكن تجاوزه.
لكن الحقيقة التي تتكشف عند الاقتراب مختلفة تمامًا.
ما جرى لم يكن مجرد أزمة مركبة سياسية أو اقتصادية، بل كان بناءً منهجيًا لرواية تُضعف الإنسان قبل أن تُضعف الأرض. لقد تحوّل الخطاب المجحف إلى أداة حرب حديثة، تستهدف النفس قبل البنية، وتكسر الثقة قبل أن تمسّ الجدران. فالإنسان لا يُهزم حين تضيق به الظروف، بل حين يُقنع بأن لا مخرج له منها.
وإن كانت العودة قصيرة، كشفت ما هو أعمق من المشهد الظاهري. لم تكن الحرب فقط على البنية التحتية، بل بدت كأنها حربٌ على وعي الإنسان نفسه.
فريق مُثلث
رغم كل شيء صُنعت هناك حياة
غير أن هذه الرواية، رغم قوتها، لم تستطع أن تصمد أمام واقع مختلف يتشكل بهدوء. فعلى الرغم من الأزمات الخدمية الواضحة، والتراجع في جودة الحياة، والضغوط السياسية والاقتصادية الخانقة، إلا أن الحياة في هذا الوطن لم تتوقف. بل على العكس، تشكلت مسارات جديدة للنمو، ونشأت إنجازات حقيقية من رحم الإمكانيات المحدودة.
استطاعت هناك الحياة أن تعيد تعريف أدواتها أن تبتكر حلولًا من داخل بيئة تعاني، لا من خارجها. أن تستنسخ تجارب ناجحة من العالم، وتعيد صياغتها بما يتناسب مع واقعه.
في تفاصيل الحياة اليومية، تتجلى هذه القدرة بوضوح:
أنماط جديدة من العمل، مبادرات محلية، توسع في مجالات خدمية وتجارية، وفنون حياة تتكاثر وكأنها تنتمي إلى بيئة مستقرة لا إلى واقع مضطرب. هذه المفارقة ليست وهمًا، بل دليل على أن جذور البناء أعمق من سطح الأزمة.
قد يصعب على المراقب الخارجي فهم كيف يمكن لإنسانٍ يعيش في بيئة محاطة بالاختناق أن ينتج هذا القدر من الفاعلية، لكن الإجابة تكمن في طبيعة هذا الإنسان نفسه؛ في قدرته الفطرية على التكيّف، وعلى تحويل القيود إلى أدوات، والأزمات إلى فرص كامنة.
ما يُسمى اليوم بحالة الاستنزاف أو “الموت البطيء” لم يؤدِّ إلى الانهيار كما كان متوقعًا، بل تحوّل – في التجربة اليمنية – إلى شكلٍ من أشكال التكيّف العميق.
فريق مُثلث
ورغم ذلك، لا يمكن إنكار وجود الأزمات؛ نعم هناك تراجع في الخدمات وتأثير مباشر على جودة الحياة، لكن هذه الأزمات لا تأتي بوصفها قدرًا دائمًا، بل كحالةٍ طارئة يمكن احتواؤها واستعادتها بإرادةٍ وبرامج إعادة إعمار قادرة على إعادة التوازن.
إن اختزال الوطن في أزماته فقط يُفقدنا القدرة على رؤية الجانب الآخر من الصورة؛ ذلك الجانب الذي لا يزال يقاوم، وينتج، ويحاول أن يخلق من الممكن واقعًا، حتى في ظل أقل الإمكانيات.
البند السابع.. فيروسٌ تحول إلى “لقاح للمناعة”
وسط الحصار السياسي والاقتصادي، وضمن بيئة معقدة خارجيًا وداخليًا، نشأت حياة كاملة دون اتكاء يُذكر على دعم خارجي. ما يحدث هنا ليس تكرارًا لتجارب أخرى، بل حالة فريدة تُعاد فيها صياغة المستقبل بما هو متاح، لا بما هو مثالي. تجربة تُظهر أن القدرة على التكيّف قد تتحول إلى قوةٍ خلاقة، وأن إعادة تشكيل الواقع لا تحتاج دائمًا إلى ظروف مثالية بقدر ما تحتاج إلى إرادةٍ واعية.
ما يُسمى اليوم بحالة الاستنزاف أو “الموت البطيء” لم يؤدِّ إلى الانهيار كما كان متوقعًا، بل تحوّل – في التجربة اليمنية – إلى شكلٍ من أشكال التكيّف العميق. إلى مناعة تُبنى ببطء، وتُعيد تشكيل الإنسان بدل أن تُنهيه.
هذه ليست محاولة لتجميل الواقع أو إنكار التحديات، بل قراءة مختلفة له. فالأزمات حقيقية، والاختلالات واضحة، لكن الصورة الكاملة أكثر توازنًا مما يُروى. إذ لا يزال هذا الوطن يحتفظ بعناصر النهوض، ولا يزال إنسانه قادرًا على إعادة إنتاج مستقبله بما يتوفر لديه، لا بما يُنتظر من الخارج.
ربما لا يكون السؤال الحقيقي عمّا إذا كان هذا الوطن سيئًا أم لا، بل كيف سمحنا للرواية السلبية أن تختزل كل شيء فيه. فبين واقعٍ مليء بالتحديات، وإنسانٍ قادرٍ على إعادة تشكيلها، تبقى الحقيقة أكثر توازنًا مما نُقل إلينا. ليس في هذا الوطن ما يبرّر اليأس الكامل، ولا في إنسانه ما يعيق مستقبله، بقدر ما أن المشكلة تكمن في زاوية النظر. وحين تتغيّر الزاوية، تتغيّر الحكاية كلها.
في النهاية، ليست المشكلة في الوطن، بل في الرواية التي قُدِّمت عنه.
وبين رواية تُصرّ على الهزيمة، وواقع يُثبت القدرة على الصمود، يظل المستقبل مفتوحًا… وقابلًا لأن يُبنى
